متخصّص نفساني: التونسي مُدمن على المصروف، دائما ملهوف، و»حاج كلوف»! : على الرغم من غرق المواطن في النفقات الصيفية المتعلّقة بالمناسبات
كالأعراس والنجاحات، وكذلك الترفيه، ثم غرقه في مصاريف العودة المدرسية،
ومعاليم استهلاك الماء والكهرباء، على الرغم من ذلك فإن الاسواق والفضاءات
التجارية، ودكاكين بيع المواد الغذائية تشهد منذ فترة حالة من الازدحام
لتهافت الناس على اقتناء كل ما له علاقة بالبطن من أجل مائدة رمضان، وكأن
البلاد ستعيش في قادم الأيام حالة من القحط.
هذه السلوكات الاستهلاكية المحيّرة تدفع الى التساؤل عمّا إذا كان المواطن التونسي يشكو من حالة مرضيّة اسمها اللهفة. نعم هيّ حالة مرضيّة بكل المقاييس، فالادمان على النفقات الى حد الغرق، والدخول في بوتقة التداين، هو سلوك غير راشد، يدل بحسب متخصص نفساني على أن النهم نزعة قد تمكّنت من الأنفس حتى بات التخلّص منها أمرا صعبا.
* أعراض ويضيف المتخصص أن مختلف الاعراض الاستهلاكية تظهر خلال شهر رمضان حيث يتدافع الناس لشراء كلّ شيء وبأي ثمن، وهم في جوّ يشبه الهستيريا على مدى ثلاثين يوما كان يفترض ان تشهد نقصا في الاستهلاك وليس العكس. ويرى الاخصائي النفساني، أن الاستعداد العام في البلاد وقبل نصف عام من حلول الشهر يحفّز المستهلك آليا لاتخاذ التدابير، وكأن ذلك الذي تقوم به الدوائر المتدخّلة في السوق اشعار له بأن رمضان يُوجب التخزين الفردي أسوة بما يجري على مستوى القطاعات والدواوين، دون ان يفكّر المواطن بأن تلك التحضيرات انما تمّت بشكلها المبكّر وبالكيفية والكميّة المتوفّرة، لكي تبعث فيه الطمأنينة، لا أن تغرس فيه طباع اللهفة.
* شهواني! ويرى محدّثنا ان المواطن يعيش نقيضين داخل نفسه، فهو من جهة ينتقد التبذير، ومن جهة أخرى تراه مسرفا في أي بضاعة يقف أمامها، ومعنى هذا أن التونسي فاقد للسيطرة على شهواته، التي تدفعه الى شراء الأنواع المختلفة من الخبز، مع أن معدّل استهلاك أسرته لا يتعدّى الخبزتين، وعلى هذا المقياس فإن تفحّص مائدة الافطار التي تجتمع فوقها أنواع المأكولات غير المتجانسة صحيا يثبت بالدليل القاطع، أن مرض الاستهلاك مستفحل، وهو ليس كذلك فحسب، بل إنه «وراثي» على اعتبار أن الكبار بسلوكاتهم تلك، إنما يعطون المثال السيء لأطفالهم فينشأون مبذّرين ملهوفين...
* «كلوفي» ومن بين الحالات النفسية الأخرى يقول المتخصص أن فئة واسعة من الرجال ممن كانوا ينفرون من اعانة زوجاتهم في شؤون المنزل، يتحوّلون ببركات الشهر المعظم الى مبدعين في الطبخ وتحضير الاطباق، ويحشرون أنوفهم في أمور كثيرة لم تكن من قبل تعنيهم، وها هو «سي السيد» الذي كان يستنكف من غسل كأس أو رفع صحن من فوق الطاولة يتقمّص دور الأمّ، ولا تكاد تفوته قبل حلول الافطار شاردة ولا واردة من المطبخ وخاصياته... العلاج بالنسبة لحالة اللهفة يكمن منطقيا في توفّر العرض، فهل يفهم المواطن أن الدولة سعت الى تخزين 72 مليون بيضة، مع توفر المنتوج الشهري المقدر بـ 135 مليون بيضة، اضافة الى توفّر مخزون بـ 35 مليون لتر من الحليب مع انتاج شهري بـ 30 مليون لتر، وزيادة الى هذا فإن الدجاج، واللحوم الحمراء متوفّرة على مستوى الخزن والانتاج الشهري والواردات وحتى البطاطا والمعدنوس ومختلف أنواع الخضر اتخذت بشأنها الاحتياطات اللازمة. كل شيء موجود، والشهر هو شهر صيام لا تخمة، ومع ذلك فإن الاسرة التونسية يرتفع استهلاكها من اللحوم الحمراء والدواجن بنسبة 38، ومن البيض بنسبة 98، ومن الحليب بنسبة 23 ومن الياغورت بنسبة 69 ومن الخبز بنسبة 30 ...
* محمد الصغير بالرّيش جريدة الانوار الثلاثاء 18 سبتمبر 2007 |